ستدرك إلى أي مدى يمكن أن تكون الصحراء ملهمة وستفهم عمق ارتباط هذا الفضاء الساحر /القاسي بالإبداع. سيبدأ هذا الإبن البار بالرجوع إلى ذاكرته، والسفر بين حنايا قلبه وستلاحظ كيف تتغير ملامح وجهه وتعابير عينيه، سيشع بريق خاطف وعميق وقوي، ويسترسل في وصف < الجنة> التي كان فيها، وهو يترنم طربا ويتمايل منتشيا بجمال اللحظات التي عاشها متوحدا مع ذرات الرمل التي تشاركه طعامه وشرابه ، ويتنفسها مع كل جرعة هواء .
سيتذكر- مرتعشا- النهار القائظ، والشمس التي تلفح بدون رحمة ، وتشقق الإنسان
قبل الأرض، وسيحن إلى الليالي المقمرة، ويسترجع أصوات الذكر، ودقات الدفوف وشدو
الصبايا ، وحكايات العجائز. وتهفو نفسه إلى فضاء البادية وشجيرات الطلح
المتناثرة ، العطشى. وسيزداد بريق عينيه توهجا كلما غاص في ذاكرته. وسيخف الوهج
كلما استعاد واقعه بين الجدران الأربعة، التي تحميه لهيب الحر وبرودة الليل،
حين يتذكر بيته المكيف وحياته الخصبة المليئة بكل أسباب الراحة والرفاهية…..
ليس هذا مقطعا روائيا متخيلا ، بل حقيقة ماثلة للعيان، لكل من يعرف أبناء
الصحراء وعشقها الجنوني الذي يسكنهم.
ارتبط الابداع العربي منذ بداياته، بالصحراء. فالشعر / ديوان العرب، كان
عصارتها. ويمكن القول إن خصوبة دواوين الجاهليين لم تكن صدى لما كانوا يحلمون
به وهم في أرض قاسية عقيمة ، قاحلة- كما يبدو لغير أهلها- بل هي تعبير عن
إحساسهم بفضاءهم الذي يضمهم ويوردهم موارد لا تكشفها إلا لمن رضيت عنهم.
إنها الصحراء تلك المعشوقة الغامضة الفسيحة المترامية المفتوحة، التي لا تعرف
الوسط فإما أن تحبك وتبادلك العشق إلى درجة الهوس، وإما أن تلفظك وتبادلك
القطيعة وتحرمك لذة اكتشاف مكامن فتنتها.
بين الصحراء والإبداع علاقة وجودية، فهي تثبت وجود الإبداع، الذي هو خلق من
عدم، وبدءٌ وسيرٌ لا على مثال(*).
عندما تصبح الصحراء / الخلاء/ الجفاف ملهمة، فإن الأكيد أن ثمارها إبداع ، ومن
طينة إستثنائية. لأنه من قلب الصخر وحياكة الرمل، إنه عصارة غنية بطعم الألم،
ولادة عسيرة لكنها مستمرة ومثمرة وممتعة و< هادئة> تماما مثل فضائها.
وهنا لا بد من وقفة لنؤكد أنه إذا كانت الصحراء هي البدء والأم الأولى التي
حملت الإبداع العربي وطرحته شعرا غزيرا، لا زال يؤثر فينا رغم البين، وتهزنا
كلماته القوية والغريبة ،فإن الطبيعة أبت إلا أن تحفظ لها خصوبتها وتقيها أسى
اليأس والعقم، لكي تستقبل عشاقا من نوع خاص، حفروا بأقلامهم دربا جديدا في
الصحراء والابداع
إنها الرواية معشوقة الابداع العربي الجديدة، التي دوخت عشاقها وجعلتهم
يتناثرون هنا وهناك بحثا عن فضاءات وفتوحات، لتاثيث متخيلهم الطافح. وندرٌ
أولائك الذين حفظوا العهد، وشدوا رحال العودة إلى الأم/ الصحراء. وأسسوا
عوالمهم الروائية من ذراتها ونستحضر هنا، الروائي الليبي إبراهيم الكوني الذي
توحد بالفلاة في خشوع يتراوح بين الحلم والأسطورة، بين قساوة الحياة وحمولتها
الروحية والفلسفية. فرغم شحوب الشخوص وتناثرها كشجيرات الشيح والقيصوم ورغم
السكوت الغامض/الملتبس، وقلة الحوار المعتاد، إلا أننا لا نستطيع إلا أن نستسلم
لنشوة ، وفتنة عبث الصحراء بمن لا يتأدبون في حضرتها ، ولا يعرفون مكامن
حرمتها. من استباحوا طبيعتها وبنات بطنها. فيكون العقاب على قدر الحب. هي كذلك
في رائعة ابراهيم الكوني # نزيف الحجر# ويمكن القول إن هذا العنوان/ العتبة
يختزل طبيعة عالمه الإبداعي. فهو نزيف مع ما يحمله من خصوبة وكثرة ورطوبة/
بلل ، ولكن بطعم الألم لأن الذي ينزف هو الحجر/ الصحراء، فالولادة عسيرة
والوليد يستحق المخاطرة.
مبدع آخر حمل الصحراء بين ثنايا فكره وقلبه، عبد الرحمان منيف الذي التحم بها
وعاش معها مرارة الوطإ/ الاغتصاب، في خماسيته الفريدة، التي تؤرخ لفصل من فصول الصحراء وعلاقاتها الملتبسة، وشطحاتها التي تأبى فيها إلا أن تكون وقود التغييرالجذري والانقلاب الغريب على مستوى العلاقات الإنسانية حاضرا ومستقبلا.
ترى ماذا تخبأ لنا هذه المعشوقة الساحرة
العالية ماءالعينين
www.doroob.com